الثعالبي
64
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
وأبطل سعيهم ، وقوله سبحانه : ( سحروا أعين الناس ) : نص في أن لهم فعلا ما زائدا على ما يحدثونه من التزويق ، ( واسترهبوهم ) بمعنى : أرهبوهم ، أي : فزعوهم ، ووصف الله سبحانه سحرهم ب " العظيم " ، ومعنى ذلك من كثرته ، وروي أنهم جلبوا ثلاثمائة وستين بعيرا موقورة بالحبال ، والعصي ، فلما ألقوها ، تحركت ، وملأت الوادي ، يركب بعضها بعضا فاستهول الناس ذلك ، واسترهبهم ، قال الزجاج : قيل : إنهم جعلوا فيها الزئبق ، فكانت لا تستقر . وقوله سبحانه : ( وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ) : وروي أن موسى عليه السلام لما كان يوم الجمع ، خرج متكئا على عصاه ، ويده في يد أخيه ، وقد صف له السحرة في عدد عظيم / ، حسبما ذكر ، فلما ألقوا واسترهبوا ، أوحى الله إليه ، أن ألق ، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، فعظم حتى كان كالجبل . وروي أن السحرة ، لما ألقوا ، وألقى موسى ، جعلوا يرقون ، وجعلت حبالهم تعظم وجعلت عصا موسى تعظم حتى سدت الأفق ، وابتلعت الكل ، وروي أن الثعبان استوفى تلك الحبال والعصي أكلا ، وأعدمها الله عز وجل ، ومد موسى يده إلى فمه ، فعاد عصا كما كان ، فعلم السحرة حينئذ أن ذلك ليس من عند البشر ، فخروا سجدا مؤمنين بالله ورسوله ، و ( تلقف ) معناه : تبتلع وتزدرد ، وقرأ ابن جبير : " تلقم " بالميم . وقوله سبحانه : ( فوقع الحق . . . ) الآية : أي : نزل ووجد ، وقال أبو حيان : فوقع ، أي : فظهر ، و " الحق " : يريد به سطوع البرهان ، وظهور الإعجاز ، ( وما كانوا يعملون ) لفظ يعم سحر السحرة ، وسعي فرعون ، وشيعته ، والضمير في قوله : " فغلبوا " : عائد على جميعهم أيضا ، وفي قوله : ( وانقلبوا صاغرين ) ، إن قدرنا انقلاب الجمع قبل إيمان السحرة ، فهم في الضمير ، وإن قدرناه بعد إيمانهم ، فليسوا في الضمير ، صغار ، لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم .